…
…كانت سيارته تئن تحت وطأة أطنان من الأشياء المرصوصة في كراتين و أشياء أخرى يصففها بعناية فوق سقفها , يغطيها بغطاء من البلاستيك و يعقدها بحبال مشكلة قبة…لكثرة ما كان يحمله السي حسن…كانت فاطمة تتساءل في كل مرة هل ينوي والدها فعلا العودة مرة أخرى أم أنه قرر أخيرا الرحيل إلى البلاد دون رجعة…كان السي حسن يحمل كل شيء…ولا شيء…الكثير من الأشياء ,لم تكن فاطمة تفهم لماذا يصر والدها على أخذها…كرسي…سلم من حديد…ثلاجة قديمة…تلفزيون…خلاط كهربائي قديم…بعض الأحدية القديمة…عجلة سيارة…لطالما عاتبته والدتها السيدة زهرة على ذلك, لكنه كان يرفض أن يستمع إليها و لا إلى أي أحد يتذخل في الموضوع…خصوصا أن الكل كان يعرف إجابته الساخرة : السيارة هي التي ستحمل كل شيء و ليس أنتم… كان يجمعها في بعض الأحيان من الأحياء الميسورة , يجدها ملقاة على قارعة الطريق…وحتى و لو كانت قديمة, مكسورة, المهم أن تكون قابلة للاصلاح…هو كان يعرف قيمة هذه الأشياء…فالناس في قريته يحبونها, يكفي أنها آتية من فرنسا…فهي أكيد ذات جودة عالية و ستنفعهم لسنوات و سنوات…كان السي حسن يبيعها بأثمان مناسبة, تجعله يغطي بعض مصاريف العطلة الصيفية هو و أولاده…فمصاريف العطلة كثيرة…يجب أن يساعد عائلته الكبيرة…أن يحيي حفلا دينيا كعادة كل سنة ترحما على روح والديه…كانت ليلة الحفل الديني هي أفضل ليلة يعيشها السي حسن من ليالي السنة بأكملها, ليلة يحس فيها أخيرا أنه إنسان له قيمة,إنسان له وجود في هذا الكون…كان يجلس كسلطان بجلبابه الأبيض, تحته آخر قميص من نفس اللون…تشتريه له ابنته فاطمة… التي تعودت أن تهديه في بداية كل عطلة قميصا لاحياء حفله الديني و عطرا يتعطربه, إنه فعلا يحبها…يجلس السي حسن وسط حفظة القرآن, في ذلك الصالون الكبير في منزله وسط القرية, على يمينه إمام المسجد و على يساره شيخ القبيلة…الذي ينتهز الفرصة كلما سكت المقرؤون لاستراحة شاي, ليسأله عن فرنسا و عن ما وصلت إليه تلك البلاد…و على أنه رأى مؤخرا في التلفزيون وثائقيا عجيبا عن كيفية صنع الجبنة الفرنسية, و أنه علم أن هناك ما بين 350 و 400 نوع منها…و تعجب لصحة الابقار و كيف تعلف…و إلى عددها و إلى المستوى العالي الذي وصلت إليه الفلاحة في تلك البلاد…كان السي حسن لا يفهم كل ما يحكيه شيخ القبيلة, ولا يعرف من أنواع الجبنة سوى نوعين أو ثلاثة, لكنه كان يجيبه في ابتسامة دائما : ما شاء الله, بلادهم بلاد جميلة و الأمطار تتساقط في كل وقت
و الخير موجود…
الخير الذي لم ير منه السي حسن سوى:
ضواحي العاصمة الفرنسية…
المسجد المزور…
راتب التقاعد الذي تمن به الحكومة…
و أخبار الجزيرة تنقل له كل مساء مأساة إخوانه العرب…مأساة أفضع من تلك التي يعيش…فيحمد الله على كل حال و يدعوبالفرج لأولئك المعذبين في أقصى الشرق…
شأنه في ذلك شأن كل ع


























